نورالدين علي بن أحمد السمهودي

54

وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )

تحويل الوباء من دلائل النبوة وتحويل الوباء من أعظم المعجزات ؛ إذ لا يقدر عليه جميع الأطباء ، وفي البخاري حديث « رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة ، فتأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة » وفي الأوسط للطبراني نحوه ، وفي كتاب ابن زبالة « أصبح رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يوما ، فجاءه إنسان كأنه قدم من ناحية طريق مكة ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : هل لقيت أحدا ؟ قال : لا ، إلا امرأة سوداء عريانة ثائرة الشعر ، فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : تلك الحمى ، ولن تعود بعد اليوم أبدا » وفيه أيضا حديث : « اللهم حبّب إلينا المدينة ، وانقل وباءها إلى مهيعة ، وما بقي منه فاجعله تحت ذنب مشعط » وحديث : « إن كان الوباء في شيء من المدينة فهو في ظل مشعط » . قال المجد : هو جبل أو موضع بالمدينة . قلت : سيأتي عن ابن زبالة في المنازل أن بني حديلة ابتنوا أطمين أحدهما يقال له « مشعط » كان موضعه في غربي مسجد بني حديلة ، وفي موضعه بيت يقال له بيت أتى نبيه ، ثم أورد عقبه الحديث المذكور ، فأفاد أنه هو المراد ، وفيه أيضا حديث : « أصح المدينة من الحمى ما بين حرّة بني قريظة والعريض » وهو يؤذن ببقاء شيء من الحمى بالمدينة ، وأن الذي نقل عنها أصلا ورأسا سلطانها وشدتها ووباؤها وكثرتها بحيث لا يعد ما بقي بالنسبة إليه شيئا ، ويحتمل أنها رفعت أولا بالكلية ، ثم أعيدت خفيفة لئلا يفوت ثوابها كما أشار إليه الحافظ بن حجر ، ويدل له ما روى أحمد برجال الصحيح وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن جابر : استأذنت الحمى على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : من هذه ؟ فقالت : أم ملدم ، فأمر بها إلى أهل قباء ، فلقوا ما لا يعلمه إلا الله تعالى ، فأتوه فشكوا ذلك إليه ، فقال : ما شئتم ، إن شئتم دعوت الله ليكشفها عنكم ، وإن شئتم تكون لكم طهورا ، قالوا : أو تفعل ؟ قال : نعم ، قالوا : فدعها » ورواه الطبراني بنحوه ، وقال فيه : « إن شئتم تركتموها وأسقطت بقية ذنوبكم ، قالوا : فدعها يا رسول الله » وروى أحمد ورجاله ثقات حديث : أتاني جبريل بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة ، وأرسلت الطاعون بالشام ، فالطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم ورجز على الكفار » والأقرب أن هذا كان في آخر الأمر بعد نقل الحمى بالكلية ، لكن قال الحافظ ابن حجر : لما دخل صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة كان في قلة من أصحابه ، فاختار الحمى لقلة الموت بها على الطاعون لما فيها من الأجر الجزيل ، وقضيتها إضعاف الأجساد ، فلما أمر بالجهاد دعا بنقل الحمى إلى الجحفة ، ثم كانوا من حينئذ من فاتته الشهادة بالطاعون ربما حصلت له بالقتل في سبيل الله ، ومن فاته ذلك حصلت له